عام

سلفتى متعلمه 2

الجزء الأخير من حكاية: سلفتي أعلى مني في التعليم…

خبط سلفي على الباب وهو بيصرخ:
— افتحوا بسرعة… أختي حصلها حاجة!

جوزي جري وفتحله.

دخل سلفي وهو في حالة انهيار، ووراه سلفتي ووشها أصفر ودموعها على خدودها.

أول ما شافتني، وقفت مكانها.

أنا كمان اتجمدت.

كنت لسه ماسكة الظرف اللي جوزي طلعه من الدرج.

بصيت لسلفي وقلت:
— إيه اللي حصل؟

قال وهو بيحاول يلتقط نفسه:
— أختي تعبت فجأة… والدكتور قال لازم عملية في أسرع وقت.

سلفتي انهارت في العياط.

وقتها فهمت إن الورقة اللي في إيدي كان عليها اسم أختها.

بصيت لجوزي.

قال بهدوء:
— أيوه… الفلوس اللي كنتِ بتسألي عنها، جزء كبير منها كان بيروح لعلاج أخت سلفتك.

اتصدمت.
— طب ليه كنتوا مخبيين عليا؟

قال:
— لأنها كانت رافضة حد يعرف… خصوصًا إن أبويا هو اللي كان متحمل الجزء الأكبر من مصاريف علاجها.

بصيت لسلفتي وأنا مش عارفة أقول إيه.

هي مسحت دموعها وقالت:
— أنا مش متعالية عليكي يا أختي… أنا بس كنت بحاول أعيش حياتي بشكل طبيعي، رغم إن جوايا خوف طول الوقت.

قلت بصوت مكسور:
— وفلوس أبو جوزي؟

قالت:
— كنت بطلب من سلفي ياخدها من بابا من غير ما يقول السبب، عشان أختي كانت محتاجة علاج مستمر… وإحنا كنا بنحاول نوفر مصاريف العملية.

سكتُّ.

كل كلمة كنت قلتها عليها رجعت في دماغي.
“بتاكل بالشوكة والسكينة.”
“معندهاش عيال.”
“عاجبها نفسها عشان متعلمة.”
“عايشة لنفسها.”

حسيت إني كنت بظلم واحدة معرفتش أصلًا هي شايلة إيه جواها.

قربت منها وقلت:
— أنا آسفة.

بصتلي ودموعها نزلت أكتر.
وقالت:
— وأنا كمان آسفة.

استغربت:
— إنتِ آسفة ليه؟

قالت:
— عشان كان المفروض أحكيلك… وأقرب منك بدل ما أسيبك تفسري سكوتي بالطريقة دي.

دخلت حماتي وقتها، وكانت سامعة كل حاجة.

بصتلي وقالت:
— يا بنتي، أنا كمان غلطت معاكي… لما كنت بقولك هي معندهاش عيال وإنك إنتِ اللي عندك مسؤوليات، كنت فاكرة إني بريحها… لكني زودت الحمل عليكي.

بصيتلها وقلت:
— أنا مش زعلانة عشان هي مرتاحة… أنا كنت زعلانة عشان حسيت إن تعبي محدش شايفه.

سكتت حماتي.

وبعدين قالت:
— عندك حق.

الكلمة دي لوحدها خلتني أعيط.

بعدها بأيام، حصل موقف عمري ما هنساه.

كنت في المطبخ، والأولاد حواليّ، وفجأة لقيت سلفتي داخلة.

قالت:
— سيبي اللي في إيدك.

قلت:
— ليه؟

قالت:
— النهارده أنا هعمل الغدا.

ضحكت وقلت:
— إنتِ؟!

قالت:
— أيوه أنا.

ومن اليوم ده بدأت تساعدني على قد ما تقدر.

مش لأنها بقت مطالبة بخدمة البيت…
لكن لأنها أخيرًا فهمت أنا كنت محتاجة إيه.

وأنا كمان فهمت إنها كانت محتاجة حد يسمعها.

وبقينا نتكلم.

وعرفت إن الإنسان ممكن يبقى لابس أحسن هدوم، وراكب عربية، وشغال في شركة كبيرة…
وفي قلبه وجع محدش يعرف عنه حاجة.

وأنا كمان اكتشفت إن تعليمي القليل مش معناه إني قليلة.

أنا أم لأربعة أطفال، وشقيت وتعبت، وحافظت على بيتي، وده برضه إنجاز.

أما موضوع جوزي…
فأنا واجهته بعد كل اللي حصل.

وقلتله:
— أنا مش هقبل تاني إن أي خلاف بيني وبين سلفتي يتحول لضرب أو إهانة.

وطلبت منه بوضوح إن مشاكلنا تتحل بالكلام، مش بالعنف.

وهو اعتذر ووعدني إن ده مش هيتكرر.

ومن يومها علاقتي بسلفتي اتغيرت تمامًا.

بقينا مش أصحاب أوي…
لكن بقينا نحترم بعض.

وبقيت لما أشوفها نازلة الصبح لشغلها، بدل ما أقول:
“هي مرتاحة وأنا لأ.”
أقول لنفسي:
“يمكن أنا مش عارفة هي شايلة إيه.”

وهي لما تشوفني وسط أولادي، بدل ما تسكت وتمشي، تدخل تساعدني بكلمة أو بإيد.

وفي يوم، وإحنا قاعدين سوا، قالتلي:
— تعرفي إيه أكتر حاجة وجعتني؟

قلت:
— إيه؟

قالت:
— إنك كنتِ فاكرة إني شايفاكي أقل مني عشان تعليمك.

ابتسمت بحزن وقلت:
— وإنتِ تعرفي إيه أكتر حاجة وجعتني؟

قالت:
— إيه؟

قلت:
— إني كنت فاكرة إنك شايفاني أقل منك… مع إن الحقيقة إني كنت أنا اللي شايفة نفسي أقل منك.

سكتنا إحنا الاتنين…
وبعدين حضنتني.

ومن يومها فهمت إن أخطر حاجة بين السلفات مش الغيرة… أخطر حاجة هي الحكم على بعض من غير ما نعرف الحكاية كاملة.

واللي حصل علّمني إن مش كل واحدة بتبعد عنك بتكرهك، ومش كل واحدة ساكتة متكبرة، ومش كل بيت شكله مرتاح من بره يبقى مفيهوش وجع.

وأحيانًا… الشخص اللي بنقضي شهور نكرهه، بنكتشف في الآخر إنه كان محتاجنا أكتر مما إحنا كنا محتاجينه.

إيه رأيكم؟
هل لو كنتوا مكانها، كنتوا هتسامحوا سلفتكم بعد ما عرفتوا الحقيقة؟ ولا الجرح والكلام اللي حصل كان صعب يتنسي؟
اكتبولي رأيكم في التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى